socrates سقراط


socrates  سقراط
مَن هُو سقرَاط؟ ومَا الذِي نعرفه عنه؟ لا يوجد جوابٌ نهائي يمكِن الوثُوق به. وذلك لأن الروايات حولَ شخصِية سقرَاط متعددَة ولا سبيل لترجيح هذَه الروَاية عن تلك، ففي الوقْت الذي يقدّم لنا أفلاطُون (أشهر تلاميذ سقراط) صورَة سقراط الموحى إليه من الآلهة بأن يحض مواطنِيه على الاهتمَام بتحسين أرواحهم، فهو لا يهتم إلا بالحكمَة الإنسَانية، ويعلمُ على طريقته وليس على طريقة السفسطَائيين، أي بلا أجر، وعلى منهج لا يقُومُ على التلقِين بل علَى الوصول الذاتي إلى معرفَة النفس وإلى معرفة الحقيقَة. وعلى النقيض من هذه الرواية الأفلاطونية نجد صورة مختلفَة تمامَا في مسرَحية "السحب" [يمكنك تحميل النسخة الإنجليزية من هنا] لأرسطوفان (أرستوفانيز) حوالي 423ق.م، حيث يظهرُ سقرَاط في هذه المسرحية محاولا النفاذ إلى أسرار السمَاء وما تحت الأرض (كتلميذ للطّبيعيين)، وقادرًا على قلب الموقف الضعيف إلى موقف قوي ومعَلما الآخرين كيف يفعلون ذلِك (تمامًا كالسفسطائيين). بالإضافة إلى أفلاطون وأرسطوفان هناك رواية إكزينوفان الذي يحدثنا عن سقراط باعتباره رجلا تقيا يعتقد في الآلهة ويقوم بواجباته الدينية (على عكس ما زعمته عريضة الإتهام أثناء المحاكمة). وهو في سلوكه معتدل يكره العنف، ويستخدم الإقناع وقادر على النفاذ إلى شخصيات البشر وعلى الحكم عليهم حكما نافذا. وهكذا فسقراط أعدل البشر وأكثرهم اعتدالا وفضيلة، وهو أفضلهم. وقريبة من هذا التصور كانت صورة سقراط عند أتباعه "الكلبيين" الذين نقلوها إلى خلفائهم الرواقيين، والتي شاركت أعظم المشاركة في تكون نموذج الحَكيم الذي سيحتل مكانَة رئيسية في الأخلاق الرواقية. وقريبة منها أيضًا كانت الصورة التي نقلها إلينا جَامع الآراء ديوجين اللايريتي، وهذه هي خصائص سقراط عند هذا المؤلف: صلاَبة الشخصيّة، الإعتدَال في المأكل والمشرَب، عزّة النفس، التواضع وغيرها.



ولكن أسطورة سقراط لم تكن دائمًا أسطورة إيجَابية ترى فيه نمُوذجًا للحكمَة، بل كانت عندَ البعض الآخر صورة أسطورة سَلبية، رأينا منها نسخَة أرسطوفان، وهناك صور سلبية أخرى تقدّم سقراطً جَاهلا بلا تربية، مرابيا فاسقا، ومتزوجا من اثنتين. هذا التيار نجده أيضا عند بعض الروَاقيين وعند بعض الكتاب في الحضارة المسيحية وحتى نيتشه الألماني.

"سقراط عامي جاهل، لم يصلح بعصاميته ما أفتقده من تعليم في حداثته. وهو قبيح منتهى القبح، ومحبوٌّ باعترافه بانفعالات بالغة العنف... وهو أول من تفلسف حول الحياة، وجميع المدارس التي انبثقت عنه هي أولا فلسفات للحياة. حياة يسيرها الفكر ! الفكر يخدم الحياة، بينما كانت الحياة لدى جميع الفلاسفة السابقين تخدم الفكر والمعرفة، الحياة النزيهة هي الهدف لدى سقراط، أما لدى الآخرين فالهدف درجة رفيعة من المعرفة الصحيحة. وعلى هذا النحو، فإن الفلسفة السقراطية عملية بصورة مطلقة، إنها تناصب العداء كل معرفة لا تقترن بأفاعيل خلقية. إنها برسم استعمال المجموع، شعبية، لأنها تعد الفضيلة قابلة لأن تتعلم. وهي لا تتوجه إلى العبقرية ولا إلى الملكات العليا للعقل." [نيتشه]

أما في الحضارة المسيحية فقد رأى بعض "آباء الكنيسة" في سقراط سلفا لهم، واعتبروه "شهيدا قبل الأوان". وفي عصر "النهضة" وعصر "الإصلاح" في تاريخ الحضارة الغربية يصبح سقراط "قدّيسا" إلى جانب " القديس" أفلاطون عند إرازموس (الكاتب الهولندي الشهير) أحد كبار ذلك الوقت. بل إن اسم سقراط أصبح يقرن منذ عصر النهضة باسم المسيح. والطريق أن اصحاب العقل، ومن انتقدوا الكنيسة الكاثوليكية من مثل مجموعة الموسوعيين، رأوا في سقراط أول ضحية للفلسفة في صراعها ضد "الخرافة" ، وفي نفس الوقت رأى فيه البعض "نفسا مسيحية بالطبيعة" -هناك أيضا من المسلمين من اعتبر سقراط نبيا من الأنبياء غير المذكورين في القرآن-، " تمْسيحُ" سقراط هذا هو الذي كان وراء هجوم "نيتشه" عليه : فحينما أدار سقراط ظهره للعالم المحسوس فإنه وصَل إلى عتاب الثنائية المسيحية بين الروح والجسد. وهناك سبب آخر لهجوم عليه، ذلك أن في سقراط يتجسد اتجاه واحد من اجاهي الروح اليونانية: ذلك هو الأتجاه "الأبولوني"، مبدأ الحياة الواعية، فهو الحكيم الذي يدري كيف يقهر الغريزة بالحكمة، ومعه تنفصل وحدة العنصرين الأبولوني والديونيزيوسي الذي كان اتحادهما في فكر نيتشه سبب خصوبة الحضارة اليونانية حتى عصره، وخاصة في ميدان المسرح. وهكذا انتهى الانسجَام واختفى التوتر الخلاق بين الأضداد، ومعه يبدأ انهيار الحضارة اليونانية، بل إن بعض المؤلّفين ذهب إلى أنّ عقليَته وعقلية أفلاطُون ليستا باليونانيتين، بسب الإتجاهات شبه التصوفية فيهما.



وهكذا تتعاقب الأساطير السقراطية. وهي أساطير لأن كلا منها يدعي تمثيل الحقيقة، ولكنها في الحقيقة نتاجٌ لموقفٍ من سُقراط يكُون معه فيتخذ منه نموذجا أو ضده فيهاجمه بعنف. وهذه الأساطير هي التي بنت شهرة سُقراط وجعلتها تستمر وتحيا، وضمنت له هذا التأثير الكبير في الحَضارة اليونانية وفي الفكر المَسيحي والغربي.
إن اختلاف الروايات حول سقراط يفضي بسهولة إلى حالة عامة من الشك، وأسباب اختلاف المصادر الأولى منها الذاتي ومنها المذهبي ومنها ما يخص غرض الكاتب، ولكن هناك سبب أشار إليه بعض المؤلفين وهو سبب يمكن أن يسمى سياسيا: وذلك أن كل "شاهد" ينتمي إلى طبقة اجتماعية ويرى الأحداث من خلال وجهة نظرها. فالذي ينتمي إلى فئة متواضعة من الشعب والرافض للعبودية، كان لا يمكن أن يرى في سقراط نفس الشخص الذي رآه أفلاطون وهو الأرستطقراطي والمحبذ لنظام العبودية. والحل "العملي" للخروج من هذا الشك حول سقراط التاريخي، هو الاهتمام بسقراط كما يظهر عند أفلاطون لأن سقراط الأفلاطُوني هو الذي أثر في تاريخ الفكر اليوناني ثم الغربي.

من المتفق عليه أن سقراط ولد عام 470ق.م. من أب نحات (سوفرونيسكوس) وأم موَلّدة (فينريتي)، وربما عمل هو نفسه فترة من الزمن نحاتا و لكن يبدو أنه لم يستمر طويلا في هذا العمل. وقضى الفترة الكبرى من حياته يعيش على إرث بسيط لكنه كان يكفيه، من جهة لأنه كان يعيش عيشة أقرب إلى الزهد ومن جهة أخرى لأن الدولة الأثينية كانت تعطي لمواطنيها بعض المساعدات المالية. وقد اشترك سقراط في عدد من الحملات العسكرية الأثينية، وأبلى فيها بلاء حسنا جعله موضع إعجاب القادة العسكريين، كذلك فقد وقع عليه الدور للقيام ببعض المهام السياسية في أحد المجالس الشعبية.

ورد في وصف سقراط أنه كان دميما جاحظ العينين أفطس الأنف، إذا مشى ترنح على شاكلة البط. ومما لاشك في أن هذا القبح الطبيعي كان صدمة لليونانيين الذين كانوا يولون الجمال اهتماما كبيرا. وكان هذا القبح صدمة لهم أيضا من حيث تعارضه مع "نفس" سقراط الموهوبة بالذكاء والفراسة. هذا التضاد بين قبح الجسم وجمال الروح كان عونا لسقراط على جذب الأنظار إليه، بل وعلى التأثير على الشباب الذي كان يزدحم من حوله. وإلى جانب هذا القبح كان سقراط لا يهتم بملبسه، وقد أيضا رجلا غريبا، فهو قادر على شرب كميات كبيرة من النبيذ دون أن يثمل، وعلى البقاء ساعات طوالا على الجليد دون أن يكون في قدميه نعل يحميه.

"ما من أحد رأى قط سقراط أو سمعه يفعل أو يقول شيئا فيه تدنيس للمقدسات أو كفر. كما أنه كان يناقش، خلافا لمعظم الآخرين، حولطبيعة الكون، وما كان يبحث كيف ولد ما يسميه الفلاسفة العالم" [كزينوفان]

أما عن صفاته الأخلاقية والعقلية فيقال أنه كان قوي الشّخصية، متواضعا عزيز النفس، يرفض ما زاد عن الحاجة. وقد كان ذا قدرة فائقة على التحليل العقلي وعلى النقاش بوجه عام، متفتح العقل أمام كل فرصة، وكثيرا ما يعود إلى نفس الموضوع مرة ومرات، قادرا على الحديث مع الكبير والصغير، العالم والصانع، وذلك في كل الموضوعات المتصورة.



محاكمة سقراط

لقد كان الحدَث الأهَم والأكثَر تأثيرًا في حَياة سقرَاط هو محاكمتُه وإعدَامه. لقد عاشَ فاحِصًا ناقدًا ومنبّها الأثينيين إلى أن ما يدعون معرفَته ليس معرفَة حقيقية، وإلى أن القيم التي يؤسسون عليها حياتهم ليس هي القيَم لأولى بالإتباع، ومن هُنا كانت ضرورَة أن يحدث صدَام عنيف بينَه وبين المجتمَع الإثيني، فكانت محاكمتُه وإعدامه.
تقدم لاتهام سقراط ثلاثة من خصُومه، أنيتوس أحد زعماء الديموقراطية وكان شديد الحقد على سقراط لاعتقاده أنه أفسد عليه إبنه، و مليتوس شاعر خامل، وليقون أحد الخطباء. وقد جاء في الاتهَام الرسمي و الذي نقله أفلاطون في محاورة الدّفاع: " سقراط مُذنب لأنه يفسد الشبَاب، ولا يعتقد في الآلهة التي تؤمن بها المدينة" و هو اتهَام ذو شقين، سياسي وديني. ويظهر بالفعل أن سقراط لم يكن يعتقد في الآلهة التقليدية، و لكن نصوص كثيرة تشير إلى أنه كان يعتقد بإله حيث كان كثيرا ما يتحدث عن " الاله" بالمفرد أو عن الألوهية. أما الشق الأول من الاتهام، الشق السياسي منه، فهو أخطر كثيرا. وإن كان هذا الاتهام يركز على إفساد عقول الشباب الذين سيصبحون مواطنين و تكون لهم كلمتهم في جمعية الشعب، فالاتهام الحقيقي وراء هذا الاتهام الرسمي هو "معارضة سقراط للنظام الديموقراطي"، حيث أن سقراط كان يفضل طريقة الحكم الأرستقراطية التي كانت تتبعا إسبرطة، فقد كان معجبا بها و يشيد بدستورها، و كانت له اعتراضات على النّظام الديمُقراطي، أهمها أنه نظام يسمح بأني صل إلى الحكم أي فرد من أفراد الشعب، وبأن يصعد الحدادون والتجار الى منصة الجمعية العمومية ليدلوا بآرائهم في أمور لا يفقهون فيها شيئا، وَلكنها مع هذا أهم الأمُور البشرية : العَدالة والحَرب والسّلام. والشخص الوحيد الذي يجِب أن ينْصت له الشعب وأن يطيعَه هو ذلك المتخصّص في تلك الأمور، وهو نقد يُعادل في الحَق هدمًا لأهم أسُس النّظام الديمقراطي. لهذا فما إن عاد الحزب الديمقراطي إلى الحُكم، بعد سقوط كم الطغاة الثلاثين الذي أعقب إستسلام أثينَا أمام إسبَرطَة، حتى أسرَع بعض زعمائه، في عام 399 ق.م، إلى تقديم سقراط إلى المُحاكمة حتى " ينتهوا منه" ومن "ثرثرته" التي لم تنقطع خلال الثلاثين عاما السابقة، خاصة وأن البعض منهم كان يعتبر سقراط صديقا، إن لم يكُن أستاذًا، لعدد من هؤلاء الطغَاة الثلاثين، فكانت محاكمته، التي تحكي لنا عنها محاورة "الدفاع" وكانت إدانته والحكم عليه بالأعدام محاورة "أقريطون" ورغم أن تلاميذَه مهدوا له أسباب الفرَار لكنه رفَض بإباء و شهَامة، لأن عليه أن يخضع لقوانين المَدينة التي عَاش فيها و أخلَص لهَا طوال حَياته، فكَان موته في مغرِب أحد الأيام في سِجن من سُجون أثينا، والذي يصِفه لنا أفلاطُون في عبارات مؤثرة أشد ما يكون التأثير في محاورة " فيدون" التي تقول آخر عبارة فيها: " هذه كانت نهاية صديقنا الذي نستطيع أن نقول عنه أنّه كان، من بين من عرفنا من رجال هذَا العصر، أفضلَهم و أحكَمهم و أعدلهم".

سقراط يتجرع سم الشوكران

سقرَاط يُحاورُ أصدقَاءه وهوَ يتنَاول كأس السّم في اللوحَة المشهُورة لِـ جَاك لويس ديفيد Jaques Louis David " مَوت سقرَاط"، سنة 1787.

ويبقى السؤال مطروحًا، ما هي حقيقة سُقرَاط؟



قد ترغب في التعرف على المنهج السقراطي 

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقا