بوتاغوراس protagoras

بوتاغوراس protagoras
برُوتاغوراس واحد من أشهر سفسْطائيي القرن الخامس قبل المِيلاد، أتى من أبديرا (نفس المكان الذي ولد به ديموقريطس)، ارتحل كثيرا عبر بلاد اليونان، فزار أثينا عدة مرات، حيث ارتبط ببيركليس الذي دعاه لكتابة دستور المستعمرة الأثينية ثوري. يقال أنه أدين بتهمة الزندقة وفر من أثينا لكن في ذلك شك لأن أفلاطون، في محاورة مينون، يقول بأنه تمتع بسمعة جيدة حتى مماته وعقب ذلك. أشتهر بلاأدرتيه فيما يتعلق بوجود الطبيعة والآلهة، حيث اشتهر من بين شذراته القليلة المتبقية، شذرة مهمة من كتابه " في الآلهة" أو "عن الآلهة"، وهي تقول :"فيما يخص الآلهة، فإني غير قادر على قول شيء، لا أنهم موجودون ولا أنهم غير موجودين: فعوامل كثيرة تحول دون هذه المعرفة، منها غموض الموضوع، ومنها كذلك قصر الحياة الإنسانية".



موضوع هذه العبارة هو معرفة الآلهة وعلى الأدق معرفة وجود الآلهة. ولعل برُوتاغُوراس كان يقصد هنا هذه المعرفة اليقينية التي طرح بارمِنيدس مثالا عليها في قصِيدته "في الطبيعة"، حيث تحدث عن "طريق الحقيقة" المصحوب باليقين. ولدعم موقفه يسوق بروتاغوراس عاملين يدفعانه لاتخاذ هذا الموقف. الأولُ منهما: "غموض الموضوع". ماذا يقصد بهذا؟ أشار البعض إلى أن الكلمة اليونانية التي استخدمها بروتاغوراس تعنى جزئيا: "ما هو مضاد للمدرك بالحس"، فيكون المعنى أنه ليس لنا من سبيل إلى معرفة الآلهة كما ندرك الأشياء المحسوسة، بحيث أن موضوعات الحس التي لا يتم إدراكها في وضوح تسمى أشياء "غامضة"، ومن الممكن أنه يقصد أن الآراء كثيرة في الموضوع وأنها متعارضة. ومهما كان قصد بروتاغوراس فمن المؤكد أنه يشترط لإمكان المعرفة أن يكون إدراك موضوعها إدراكا واضحا، وهذا هو الذي يهمنا، بحيث أنه من الأفضل رفع الحكم بدلا من اتخاذ موقف إذا كان الموضوع غير واضح.

العامل الثاني الذي يبرزه بروتاغوراس تبريرا "للاأدريته" هو "قصَر الحياة الإنسانية". وهذا درس كبير في التواضع ودعوة للتأني، وهو عامل يعكس لنا كيف أن كل الأمور عند السفسْطائيين كانت تؤخذ من وجهة نظر الإنسان، وهي تؤكد نسْبية الجهد الإنساني الذي لا يسهل عليه، وإن طال البحث، أن يصِل إلى اليقين، أي أن يعرف معرفة حقيقية.

الشّذرة الثانية، وهي أهم بكثير من السابقة، تقول: "الإنسَان مقياس كل شيء، مقياس الأشياء الموجودة و مقياس لا وجود الأشياء غير الموجودة". أول ما نلاحظه من هذه أن بروتاغوراس جعل الإنسان مقياس لضدين، وهنا يجب أن نذكر أن بروتاغوراس كان يعلم تلاميذه كيف يأخذون المع والضد بخصوص نفس القضية، فلكل موضوع في رأيه جانبان ويمكن الدفاع عن كل منهما.

إذن ماذا يقصد بروتاغوراس بـ "الإنسَان" في الشذرة السابقة، هل يقصد الإنسان الفرد أم الإنسان النوع؟ إن أغلب التأويلات تقول أن القصد من العبارة هو أن كل المظاهر الحسية وكل المعتقدات صادقة نسبة إلى الشخص المعني، أي أن المقصود من العبارة هي الإنسان الفرد، وهذا هو الـتفسير الذي تبناه أفلاطون الذي عاش في عصْر برُوتاغوراس، والذي كان يمكنه أن يقرأ كل كتابه، فيعرف بذلك قصده. هذا المبدأ يستبعد الموضوعية بشكل كامل، وقد هوجم من قبل ديموقريطس وأفلاطون (راجع محَاورة ثياتيتوس [محاورات أفلاطون]) لكونه يدحض نفسه، فإذا كانت كل المعتقدات صادقة، فالمعتقد القائل بأن "كل المعتقدات خاطئة" سيكون صادقا ! لكن هذا النقد يهمل نسبية الصدق في النظرية.



طلب شاب فقير من بروتاغوراس أن يعلمه دون أن يدفع له أجرا على ان يدفع له ما يستحق بعد أن يربح أول قضية له، ولأنه متأكد من قدرته على تعليم الشاب وأن هذا الأخير لابد سيربح بعد أن يتتلمذ على يديه، وافق بوتاغوراس على تعليمه. لكن بعد أن تعلم رفض الشاب أن يدفع، فقرر بروتاغوراس أن يرفع دعوى ضده، وقال للشاب "أنك ستدفع في كل الأحوال، فإما أن أربح القضية وتدفع التزاما بحكم القاضي وإما أن أخسر فتدفع بحكم الاتفاق الذي كان بيننا"، لكن الشاب رد قائلا:" أبدا، لن أدفع في الحالتين، إذا ربحت القضية فلن أدفع بموجب حكم القاضي، أما إذا خسرت فلن أدفع بموجب الاتفاق الذي كان بيننا".

أخيرا، نشير إلى أن أفلاطون، في المحاورة التي تحمل إسم بروتاغوراس، يعرضه على أنه يتبنى شكلا محافظا إلى حد كبير من أشكال الأخلاقية الإجتماعية، مؤسسا على شكل من أشكال نظرية التعاقد الإجتماعي، حيث يرى أن البشر يحتاجون لتطوير مؤسسات اجتماعية كي يظلوا بقيد الحياة في عالم عدائي، والفضائل الإجتماعية الأساسية، العدالة وضبط النفس، محتم توقيرها بوجه عام إذا أردنا لتلك المؤسسات أن تزدهر.


شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقا