بوذا - سيدَارتا غُوتاما

بوذا
تقريبا كل ما نملكه عن حياة بوذا - عبارة عن لقب يعني " المستَنير" وليس إسمًا، أما اسمه الحقيقي فهو سيدَارتا غُوتاما - هو مجموعة من السير الذاتية التي كتبها أتباعه بعد من موته، والتي تختلف في تفاصيل كثيرة، الأكيد أنه ولد في لومبيني ( النيبال حاليا ) حوالي 560 ق.م. وأنه عاش حياة من الرفاهية والرخاء حيث كان والده ملكا أو قائد قبيلة، لكنه سرعان ما أدرك أن الخيرات التي يعيش فيها ليست كل شيء، ففي الحياة الكثير من المعاناة والألم، حيث يعاني الإنسان من المرض، الألم، الشيخوخة والموت...

غير مطمئن للحياة التي كان يعيشها هجر بوذَا زوجته وابنه من أجل اتباع طريق أكثر روحانية والبحث عن سبل الخلاص، وقد مر خلال بحثه عن التحرر من عدة مراحل حيث تجول كثيرا وتتلمذ على يد الكثير من البراهمة، الذين كانوا يستضيفونه، ويعجبون بأفكاره السامية وهدفه النبيل. فسمي في البداية "السكيموني" ، أي حكيم اسرة السكيا... وقد اختبر خلال بحثته التقشف وإماتة الحواس، والقسوة على الجسد، وإذلال الرغبات من أجل بلوغ المعرفة الحقيقية، لكنه أدرك أنه أخطأ الطريق متسائلا: "لماذا يضيف الآلام إلى الحياة التسعة المملوءة بالآلام، و لماذا و كيف يزيد من متاعب العمل الحافل بالمتاعب أو المتعب في حدّ ذاته؟" فتخلى عن حياة التقشف كما تخلى عن الترف قبل ذلك، حيث أدرك أن القوة الروحية والقدرات الفكرية مرتبطة بصحة الجسم وحيويته. وهكذا قرر التزام طريق الأعتدال والوسطية.. ورغم ما أحرزه من تقدم فقد عرف أنه رغم ما وصل إليه حتى الآن فإنه لم يبلغ طريق الحكمة القادر على الإفناء النهائي للمرض والشيخوخة والموت.


عاش سيدارتا حياة طويلة من التأمل وبعد سبع سنوات من الصراع مع الذات والتفكير العميق والمجاهدة والإمتحان جاء اليوم الذي حصل فيه على الإشراق عندما كان مستغرقا في التأمل تحت شجرة تين، حيث اجتاز درجات المعرفة واحدة بعد واحدة، واكتشف الحقيقة الكبرى، وعرف مكامن الضلال في الحياة البشرية وأدرك أسباب الألم. في ذلك اليوم تحول الأمير سيدارتا إلى بوذا ...، إلى رجل عارف، إلى مستنير، ومنوّر. وبقي في مكانه لا يبرحه عدة أيام يتذوق سعادة الخلاص، و ينعم بلذة الإشراق و العرفان.

الطريق النبيل الثماني
بعد تأمله في دورات الحياة المتعاقبة، وفي أسباب الألم اكتشف بوذا، أربعة حقائق:
الأولى هي أن الحياة الإنسانية في أساسها معاناة وألم، ألم الولادة، المرض، الشيخوخة، الموت، الحرمان... وتقوم الحقيقة الأولى على فهم هذا الأمر بشكل واضح وكامل. الحقيقة الثانية هي أن هذه الآلام ناتجة عن اتباع الشهوات، والرغبة في تلبيتها والتي تولدت عن أسباب أخرى لكن أصل هذه العوامل كلها هو الجهل، حيث أن الجهل بحقيقة الأشياء وحقيقة الذات تولد الشرور الثلاث الأساسية، الشهوانية، الحقد، والوهم وعنها تتولد باقي الشرور والأفكار الخاطئة. أما الثالثة فمفادها أن المعاناة يمكن أن تتوقف و ذلك من خلال كبح الشهوات وإخضاع الشخصية والسيطرة عليها يقول بوذا " وإليكم أيها البهيكهو، الحقيقة النبيلة عن انقطاع الدوكها
(يقصد الحقيقة الأولى، حقيقة المعاناة) إنه الإنقطاع الكامل لهذا العطش، تركه، التخلي عنه، التخلص منه، الإنفصال عنه". وآخر هذه الحقائق هي الطريق الذي يخلصنا من المعاناة، ويسمى بالدرب الثماني، حيث يشتمل على ثمان فضائل تحث الإنسان على أن يكون صاحب فهم سليم، وكلام صادق، ومسلك قويم، وفكر نقي، وروح في سلام واطمئنان، وتدعوه لحبّ كل ما يدب على الأرض، ويتغلب على كل شهوة، ويتحرر من كل غضب. يقول بوذا عن هذه الحقيقة: " إليكم أيها البهيكهو، الحقيقة النبيلة عن الصراط الذي يقود إلى انقطاع الدوكها. إنه الصراط الثماني النبيل الذي يعني الفهم الصحيح، الفكر الصحيح، الكلام الصحيح ، العمل الصحيح، وسيلة الحياة الصحيحة، الجهد الصحيح، الإنتباه الصحيح و التركيز الصحيح".

"لو أردت أن أرى في فلسفتي معيار الحقيقة. لكان علي أن أضع البوذية فوق الأديان طرا. وإني لمغتبط، على أي حال، إذا ألاحظ توافقا عميقا للغاية بين مذهبي وبين ديانة تتمتع بالغالبية على الأرض... إن أدياننا لا تثمر ولن تثمر في الهند، والحكمة الإنسانية لن تحيد عن مجراها بسبب مغامرة جرت في بلاد الجليل. كلا، بل ستندفق الحكمة الهندية على أوروبا وتقلب رأسا على عقب معرفتنا وفكرنا"
- شوبنهاور.

هذه هي تعاليم غوتاما بوذا ( كل إنسان يمكن أن يصبح بوذا من خلال بلوغ الإستنارة ) أول من ناقش تعاليم البراهمانية اعتمادا على قوة العقل وحدها، وهو ليس بالأمر الجديد حيث أن بوذا ظهر في زمن ساده التشكيك في التعاليم الدينية والمعتقدات السائدة فظهر اللاأدريون والملحدون، وفي ظل هذا الوضع الذي يسوده الشك شق بوذا طريقه نحو الإستنارة دون أن يدعي النبوة ولا الوساطة بين البشر والآلهة، فالآلهة نفسها تخضع لدورة الحياة، فبوذا ليس سوى دليل للبشر الذين يجب أن يشقوا طريقهم بأنفسهم نحر الصحوة الروحية وفهم الواقع. وهذا هو ما يُمَوقع البوذية في خانة الفلسفة أكثر منه في خانة الدين - رغم أن البوذية تطورت في اتجاهين مختلفين انتهى أحدهما إلى تأليه غوتاما وعبادته – حيث كان يقول أن الحقائق التي توصل إليها متاحة للجميع من خلال قوة العقل.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقا