georgias جورجياس


جورجياس
جورجياس هو السفسطائي الثاني الذي يأتي بعد بروتاغوراس في الأهمية. وقد ولد في بداية القرن الخامس ق.م. وهو مدينة ليونتيني في جزيرة صقلية، و قد اشتهر بأنه تلميذ أمبيدوكليس الذي كان من صقلية أيضا. في أول قدوم له لأثينا جاء سفيرا لمدينته طلبا للمساعدة ضد مدينة عدوة (syracusans)، وقد كللت مهمته بالنجاح فعاد إلى مدينته، لكنه سرعان ما عاد مرة أخرى لأثينا، فأخذ يتجول بها ملقيا خطبه، كما يفعل باقي السفسطائيين، حتى نال شهرة واسعة. وتنسب إليه عدة خطب لم يبق منها إلا شذرات، كما نسب إليه كتاب " في الطبيعة" أو "في اللاوجود"، والكتاب لم ينجو إلا على شكل ملخص لثلاث أطروحات أساسية :


- لا يوجد شيء.

- إن وجد شيء فلا يمكن أدراكه.

- إذا أمكن إدراك شيء فلا يمكن الإخبار عنه.


لإثبات صحة الأطروحة الأولى يعتمد جورجياس بشكل كبير على المدرسة الإيلية خصوصا بارمنيدس ومفارقات زينون حول الحركة والكثرة، والتي حاول من خلالها دعم موقف أستاذه بارمنيدس ( كما اشرنا حين التعريف بزينون ) القائل بالوجود الواحد ... لكن إذا استعمل زينون حججه بهدف البناء، فقد كان جورجياس يهدف إلى الهدم.

وإليكم النصوص الباقية من كتاب " في اللاوجود" كما جاء في ترجمة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني في كتابه "فجر الفلسفة اليونانية":

1- لايوجد شيء.
إذا وجد شيء فيجب أن يكون إما موجودا، أو لا موجودا، أو موجودا ولا موجودا معا.

أ - ولا يمكن أن يكون لا موجودا، لأن اللاوجود غير موجود. إذ لو وجد اللاموجود لكان في نفس الوقت موجودا و لا موجودا. و هذا مستحيل.

ب - ولا يمكن أن يكون موجودا، لأن الوجود غير موجود، إذ لو كان موجودا فيجب إما أن يكون أزليا أو مخلوقا، أو هما معا:

1 - ولا يمكن أن يكون أزليا، إذ لو كان كذلك فلا أول له، وما لا أول له فغير محدود. وما لا حد له فليس له مكان، إذ لو كان له مكان لوجب أن يُحوى في شيء آخر، فلا يصبح بذلك غير محدود، لأن الذي يَحوِي أكبر ممّا يُحوَى، ولا شيء أكبر من اللامحدود. ولا يمكن أن يحوِي نفسه، وإلا كان المحتَوى والحَاوي شيئا واحدا، ويصبح الموجود شيئين، أي المكان والجرم، وهذا باطل. فإذا كان الموجود أزليا كان لا محدودا، وإذا كان لامحدودا فلا مكان له، وإذا لم يكن له مكان، فهو غير موجود.

2 - كذلك لا يمكن أن يكون الموجود مخلوقا، إذ لو كان كذلك فيجب أن ينشأ من شيء، إما من موجود أو من لا وجود، وكلا الأمرين مستحيل.

3 - كذلك لا يمكن أن يكون الموجود أزليًا ومخلوقا في وقت واحد، لأن الأزلي والمخلوق متضادان، فلا يوجد الموجود.

4 - ولا يمكن أن يكون الموجود واحدا، وإلا كان له حجم وأمكن قسمته إلى ما لانهاية له، وعلى أقل تقدير كان له ثلاثة أبعاد هي الطول والعرض والعمق.

5 - ولا يمكن أن يكون كثيرا، لإن الكثير حاصل الجمع بين عدد من الوحدات، وحيث كان الواحد غير موجود، فكذلك الكثير.

ج - ومن المستحيل أن يكون الشيء مزيجا من الوجود واللاوجود.
ولما كان الوجود غير موجود فلاشيء موجود.

2- إذا وجد شيء فلا يمكن إدراكه:

إذا لم تكن المعاني العقلية حقائق، فلا يمكن أن تعقل الحقيقة: ذلك أنه إذا كان الشيء المدرك أبيضا، فالبياض هو موضوع الفكر. وإذا كان الشيء المدرك غير موجود فاللاوجود موضوع الفكر. وهذا يساوي قولنا " أن الوجود أو الحقيقة ليس موضوع الفكر، ولا يمكن أن يدرك" . وكثير من الأشياء التي تكون موضوع الفكر ليست حقيقية، فنحن قد نتصور عربة تجرى على الماء أو رجلا له أجنحة. كذلك ما دامت المبصرات موضوع البصر، والمسموعات موضوع السمع، وما دمنا نسلم بأن المبصرات حقيقية دون أن نسمعها، والعكس بالعكس، فعلينا أن نسلم بأن المدركات حقيقية دون أن نبصرها أو نسمعها، ولكن هذا يعني الاعتقاد في أشياء كالعربة التي تجري على ماء البحر.
بناء على ذلك ليست الحقيقة موضوع الفكر، ولا يمكن للفكر أن يدركها، فالعقل الخالص، في مقابل إدراك الحواس، أو حتى باعتباره معيارا صادقا كالادراك الحسي، أسطورة.

3- إذا أمكن إدراك شيء لا يمكن نقله إلى الغير:

الأشياء الموجودة هي المحسوسات، فموضوعات البصر تدرك بالبصر، وموضوعات السمع تدرك بالسمع، ولا تبادل بينهما، فلا يمكن لهذه الإحساسات أن يتصل بعضها ببعض. ثم إن الكلام هو طريق الإتصال بين الناس، وليس الكلام من الأشياء الموجودة أي المحسوسات، فنحن ننقل الكلام فقط، لا الأشياء الموجودة. وكما أن المبصرات لا يمكن أن تصبح مسموعات، فكذلك كلامنا لا يمكن أن يساوي الأشياء الموجودة، مادام مختلفا عنها. يضاف إلى ذلك أن الكلام يتركب من المدركات التي نتلقاها من خارج أي من المحسوسات، لذلك ليس الكلام هو الذي يخبر عن المحسوسات بل المحسوسات هي التي تخلق الكلام. لا يمكن أبدا أن يمثل الكلام المحسوسات تماما، مادام الكلام مختلفا عنها، وكأن كل محسوس مدركا بعضر الحس الملائم له، والكلام بعضو آخر.

وبناء على ذلك مادامت موضوعات الإبصار لا يمكن أن تعرض على أي عضو سوى البصر، ومادامت أعضاء الحس لا تتبادل إدراكها، فكذلك الكلام لا يمكن أن يخبر عن المحسوسات.
من أجل ذلك إذا وجد شيء وكان مدركا، فلا يمكن الإخبار عنه.


(إنتَهَت نُصوصُ جُورجْيَاس) .

تساءلَ المؤرّخُون حول جدّية جورجياس في هذه النظرية. ومن الواضح أنّه غير جاد لأنه كان يعلمُ أنّ براهينه غير صحيحة، وأن فيهَا تلاعبا بالإلفاظ، ولكنه كان جادا في ما يبدو حينما أراد أن يبين أن المسائل التي شغلت الفلاسفة الطبيعيين لن تؤدي إلا إلى طريق مسدود، فيمكن فيها أن نقول الرأي ونقيضه، وأن الأهم من ذلك هو الإتجاه نحو الأمور الإنسانية، وهذا هو ما فعله السفسطائيون. وعليه فهذه النظرية ليست إلا نموذجا للبلاغة والقدرة السفسطائية على البرهنة على أي شيء وعلى إقامة الحجة على الشيء ونقيضه.


                                    - الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، عزت قرني.


شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقا